الراغب الأصفهاني
13
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
ولك الثواب وعليك العقاب * وليس المراد بالعقل ههنا العقول البشرية بل الإشارة به إلى جوهر شريف عنه تنبعث العقول البشرية . وقال قوم » العقل ههنا عبارة عن القلم المذكور في الخبر الآخر واللّه أعلم ثم أوجد اللّه تعالى الروحانيات الذين لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون وإيجاد هذه الأشياء على سبيل الابداع . والابداع هو إيجاد الشيء لا عن شيء موجود من قبل ثم خلق الأركان الأربعة والجمادات والناميات والحيوانات وختم بالصورة الانسانية كما دل عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : خلق اللّه تعالى يوم الأحد كذا ويوم الاثنين كذا إلى أن قال وخلق الانسان يوم الجمعة آخر النهار . والخلق في أكثر الأحوال يقال في إيجاد الشيء من الشيء قبله كخلق الانسان من التراب ويقتضي تركيبا ولذلك قال اللّه تعالى : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وإلى الأشياء المركبة أشار بقوله تعالى : ( أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) . واعلم أن كل شيء من المبدعات فتام لا نقص فيه ولو كان فيه نقص لدل ذلك على نقصان مبدعة وصانعه فأما المخلوق الذي هو مركب من شيء فقد يحتمل أن يكون فيه نقص ويكون نقصه عارضا من جهة ما تركب منه لا من جهة مركبّة وفاعله ، فلهذا صارت المبدعات من الأشياء العلوية معرّاة عن اعتراض الفساد فيها حالا فحالا بل تبقى على حالتها إلى أن يشاء اللّه تعالى أن يرفع العالم والانسان إنسانان : أحدهما آدم الذي هو أبو البشر ويجري هو من سائر الناس مجرى البذر الذي منه انشىء غيره والباري تعالى قد تولى بنفسه إيجاده وتربيته وتعليمه كما نبه عليه بقوله تعالى : ( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) . وقوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها )